ابن عربي
316
الفتوحات المكية
بصيرة كالرسول وأتباعه فألحقهم الله بدرجة الأنبياء في الدعاء إلى الله على بصيرة أي على علم وكشف وقد ورد في خبر أن الصراط يظهر يوم القيامة متنه للأبصار على قدر نور المارين عليه فيكون دقيقا في حق قوم وعريضا في حق آخرين يصدق هذا الخبر قوله تعالى نورهم يسعى بين أيديهم وبإيمانهم والسعي مشي وما ثم طريق إلا الصراط وإنما قال بإيمانهم لأن المؤمن في الآخرة لا شمال له كما أن أهل النار لا يمين لهم هذا بعض أحوال ما يكون على الصراط وأما الكلاليب والخطاطيف والحسك كما ذكرنا هي من صور أعمال بني آدم تمسكهم أعمالهم تلك على الصراط فلا ينتهضون إلى الجنة ولا يقعون في النار حتى تدركهم الشفاعة والعناية الإلهية كما قررنا فمن تجاوز هنا تجاوز الله عنه هناك ومن أنظر معسرا أنظره الله ومن عفا عفا الله عنه ومن استقصى حقه هنا من عباده استقصى الله حقه منه هناك ومن شدد على هذه الأمة شدد الله عليه وإنما هي أعمالكم ترد عليكم فالتزموا مكارم الأخلاق فإن الله غدا يعاملكم بما عاملتم به عباده كان ما كان وكانوا ما كانوا الخامس الأعراف وأما الأعراف فسور بين الجنة والنار باطنه فيه الرحمة وهو ما يلي الجنة منه وظاهره من قبله العذاب وهو ما يلي النار منه يكون عليه من تساوت كفتا ميزانه فهم ينظرون إلى النار وينظرون إلى الجنة وما لهم رجحان بما يدخلهم أحد الدارين فإذا دعوا إلى السجود وهو الذي يبقى يوم القيامة من التكليف فيسجدون فيرجح ميزان حسناتهم فيدخلون الجنة وقد كانوا ينظرون إلى النار بما لهم من السيئات وينظرون إلى الجنة بما لهم من الحسنات ويرون رحمة الله فيطمعون وسبب طمعهم أيضا إنهم من أهل لا إله إلا الله ولا يرونها في ميزانهم ويعلمون أن الله لا يظلم مثقال ذرة ولو جاءت ذرة لإحدى الكفتين لرجحت بها لأنهما في غاية الاعتدال فيطمعون في كرم الله وعدله وأنه لا بد أن يكون لكلمة لا إله إلا الله عناية بصاحبها يظهر لها أثر عليهم يقول عز وجل فيهم وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون كما نادوا أيضا إذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين والظلم هنا الشرك لا غير السادس ذبح الموت الموت وإن كان نسبة فإن الله يظهره يوم القيامة في صورة كبش أملح وينادي يا أهل الجنة فيشرئبون وينادي يا أهل النار فيشرئبون وليس في النار في ذلك الوقت إلا أهلها الذين هم أهلها فيقال للفريقين أتعرفون هذا وهو بين الجنة والنار فيقولون هو الموت ويأتي يحيى عليه السلام وبيده الشفرة فيضجعه ويذبحه وينادي مناديا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت وذلك هو يوم الحسرة فأما أهل الجنة إذا رأوا الموت سروا برؤيته سرورا عظيما ويقولون له بارك الله لنا فيك لقد خلصتنا من نكد الدنيا وكنت خير وارد علينا وخير تحفة أهداها الحق إلينا فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الموت تحفة المؤمن وأما أهل النار إذا أبصروه يفرقون منه ويقولون له لقد كنت شر وارد علينا حلت بيننا وبين ما كنا فيه من الخير والدعة ثم يقولون له عسى تميتنا فنستريح مما نحن فيه وإنما سمي يوم الحسرة لأنه حسر للجميع أي ظهر عن صفة الخلود الدائم للطائفتين ثم تغلق أبواب النار غلقا لا فتح بعده وتنطبق النار على أهلها ويدخل بعضها في بعض ليعظم انضغاط أهلها فيها ويرجع أسفلها أعلاها وأعلاها أسفلها وترى الناس والشياطين فيها كقطع اللحم في القدر إذ كان تحتها النار العظيمة تغلي كغلي الحميم فتدور بمن فيها علوا وسفلا كلما خبت زدناهم سعيرا بتبديل الجلود السابع المأدبة وهي مأدبة الملك لأهل الجنة وفي ذلك الوقت يجتمع أهل النار في مندبة فأهل الجنة في المأدب وأهل النار في المنادب وطعامهم في تلك المأدبة زيادة كبد النون وأرض الميدان درمكة بيضاء مثل القرصة ويخرج من الثور الطحال لأهل النار فيأكل أهل الجنة من زيادة كبد النون وهو حيوان بحري مائي فهو من عنصر الحياة المناسبة للجنة والكبد بيت الدم وهو بيت الحياة والحياة حارة رطبة وبخار ذلك الدم هو النفس المعبر عنه بالروح الحيواني الذي به حياة البدن فهو بشارة لأهل الجنة ببقاء الحياة عليهم وأما الطحال في جسم الحيوان فهو بيت الأوساخ فإن فيه تجتمع أوساخ البدن وهو ما يعطيه الكبد من الدم الفاسد فيعطي لأهل النار يأكلونه وهو من الثور والثور حيوان ترابي طبعه البرد واليبس وجهنم على صورة الجاموس والطحال من الثور لغذاء أهل النار أشد مناسبة فبما في الطحال من الدمية لا يموت أهل النار وبما فيه من أوساخ البدن